إثيوبيا والمغرب: لماذا نجحت الأولى في صد الاستعمار وفشل الثاني؟
كيف استطاعت إثيوبيا أن تهزم إيطاليا في معركة عدوة سنة 1896 وتفرض استقلالها، بينما وجد المغرب نفسه بعد سنوات قليلة مقسمًا بين فرنسا وإسبانيا وتحت وصاية أوروبية كاملة؟
هل السر يكمن في كون إثيوبيا دولة مسيحية قديمة جعلتها تحظى بنوع من الاحترام من القوى الأوروبية؟ أم أن الأمر يتعلق بذكاء قادتها وقدرتهم على توحيد صفوف شعبهم؟ وهل كان بإمكان المغرب أن يغير مصيره لو سلك نفس الطريق الذي سلكه الإمبراطور منليك الثاني؟
هذه الأسئلة تزداد راهنيتها اليوم مع عودة التنافس الدولي على إفريقيا، حيث تتكرر بعض أنماط الماضي في ثوب جديد.
---
إثيوبيا: دولة مسيحية قديمة في قلب إفريقيا
دخلت المسيحية إلى إثيوبيا مبكرًا في القرن الرابع الميلادي على يد الملك "عزانا"، وبذلك أصبحت من أقدم الدول المسيحية في العالم. هذا العمق التاريخي والديني منحها مكانة خاصة في المخيلة الأوروبية. لكن العامل الديني وحده لم يكن كافيًا.
الإمبراطور منليك الثاني أدرك مبكرًا خطر التوسع الإيطالي، فعمل على شراء الأسلحة الحديثة من روسيا وفرنسا وبريطانيا، واستطاع أن يوحّد قبائل بلاده خلف مشروع الدفاع عن الوطن. النتيجة كانت معركة عدوة سنة 1896، حيث هزم الجيش الإثيوبي الكبير (حوالي 100 ألف مقاتل) القوات الإيطالية الصغيرة (15 ألف جندي)، لتصبح إثيوبيا أول دولة إفريقية تسقط قوة استعمارية أوروبية في ساحة المعركة.
---
المغرب: الانقسام الداخلي والضغط الخارجي
في نفس الفترة، كان المغرب يعيش أوضاعًا مختلفة. السلطان كان يواجه ضغوطًا مالية رهيبة بسبب القروض الأجنبية، والمجتمع كان منقسمًا بين قبائل وزوايا بعضها يرفض سلطة المخزن.
الأوروبيون لم يكتفوا بإرسال جيوشهم، بل بعثوا "مستكشفين" وجواسيس متنكرين في هيئة رحالة أو علماء. جمع هؤلاء معلومات دقيقة عن المجتمع والجبال والقبائل، مثلما فعل الفرنسي شارل دو فوكو. هذه المعلومات كانت أساسية في التخطيط لاختراق المغرب.
فرنسا وإسبانيا تحالفتا عسكريًا لتقسيم المغرب، بينما ضمنت بريطانيا مصالحها الاقتصادية عبر الموانئ والتجارة. مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 أعطى الشرعية الدولية للاستعمار، فصار المغرب محاصرًا من جميع الجهات.
محاولات تحديث الجيش كانت متأخرة، ولم يكن بالإمكان مواجهة تحالف أوروبي منظم يمتلك التفوق العسكري والتكنولوجي.
---
هل كان بإمكان المغرب أن يكرر تجربة إثيوبيا؟
الجواب ليس بسيطًا.
لو تمكن السلطان المغربي من توحيد القبائل والزوايا خلفه، ولو استطاع الحصول على السلاح كما فعل منليك، ربما كان سيحقق انتصارًا في معركة أو اثنتين. لكن السؤال الأعمق: هل كان الأوروبيون سيسمحون بذلك؟
إثيوبيا واجهت قوة واحدة هي إيطاليا، بينما المغرب واجه تحالف قوى عظمى (فرنسا، إسبانيا، بريطانيا، وألمانيا على الهامش). حتى لو ربح المغرب معركة على غرار "عدوة"، القوى الاستعمارية كانت ستعود بخطط أعنف حتى تحقق هدفها، لأن تقسيم المغرب كان قرارًا دوليًا منسقًا.
---
خلاصة
تجربة إثيوبيا والمغرب تكشف أن مواجهة الاستعمار لم تكن مجرد قضية سلاح أو معركة، بل كانت رهينة بعوامل داخلية مثل الوحدة والإصلاح والقيادة، وبعوامل خارجية مثل تحالفات القوى العظمى والمصالح الاقتصادية والدعم الدولي.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
لو لم يتورط المغرب في الديون، هل كان قادرًا على الحفاظ على استقلاله؟
ولو لم يكن الانقسام الداخلي، هل كان بإمكانه أن يصبح "إثيوبيا الغرب الإسلامي"؟
والأهم: هل يمكن لشعوب اليوم أن تستفيد من دروس الأمس في مواجهة أشكال جديدة من السيطرة الاقتصادية والسياسية؟
تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقك حول الموضوع